Thursday, December 8, 2011

من المخلصة جـدا


قصة: د. يوسف ادريس

ألف خاطر وخاطر، وعاطفة قوية مبهمة تتفجر في نفسه، واعزاز غريب مفاجئ، لزوجته يكتشف أنه يملأ صدره، أيكون كل ماكان بينهما من خلاف وتعنت وكره، هو الحب.. الحب الأكبر؟!


«كان صلاح زوجا، وكانت له ابتسامة، ليست كالابتسامات الحية تولد طفلة طازجة وتتفتح فجأة على الوجه ثم تزول، ابتسامة كانت لا تظهر ولا تختفى ولا تولد أو تموت، ولكنها محنطة على وجهه كالمومياء... وكانت بالضبط تعبر عن حياته فهو الآخر يحيا كالمومياء المحنطة، أو على الأقل كان هذا رأيه فى نفسه، فهو زوج، وهو كمعظم الأزواج ساخط على الزواج، يحس أن حياته المملة الرتيبة تقتله تميت فيه الحياة بالتدريج.
ولهذا كانت أمانيه...
وهز رأسه وحسرات كثيرة تتبعثر من فمه ومن قلبه. مستحيل. كيف يحتفل بعيد زواجه من "روحية" وكيف يهديها شيئا هى التى لم تفكر فى إهدائه إلا الكلمات السامة المنتقاة، والسخطات التى لا رحمة فيها ولا عاطفة؟!
وهكذا لم تطل حسراته، فقد أعاد العشرة جنيهات إلى الخزانة وأغلق أدراجه. وكان موعد الانصراف قد حان، فأخذ طريقه إلى الباب، والشارع، ومن ثم إلى البيت وهو يحس بمغص حاد ينتاب قلبه، ومرارة تملأ نفسه، وكأنه ذاهب لقضاء بقية اليوم فى السجن المؤبد الذى عليه أن يقضى بقية عمره فيه!
ولكنه طوال الطريق كان يفكر فى الورقة ذات العشرة جنيهات، والإهداء الذى كتبه عليها ويقول لنفسه: نعم... لابد أن هناك حياة أخرى... حياة مليئة بالهدايا، والحفلات، والبسمات. ومع أنه كان فاقد الأمل فى حياته تلك وزوجته، إلا أنه لم يمنع نفسه من تمنى شيء... أن تكون "روحية" قد تذكرت المناسبة وأعدت له مفاجأة، أو على الأقل استعدت لتحتفل بالعيد.
غير أن المفاجأة التى كانت تنتظره، أنه لم يفاجأ بجديد!.. فما إن فتح الباب حتى طالعه صراخ الأولاد، وحتى طالعته "روحية نفسها واقفة فى وسط الصالة، وشعرها واقف أيضا، وهى تحاول أن تضرب ابنه الأصغر، والولد يصرخ، وهى تصرخ، والجدران تهتز وتستغيث، والأبواب تتخبط، ورائحة القلى والطبيخ تتصاعد كالغازات السامة والمدرة لليأس والكآبة، والأطفال يتعلقون برجليه ويتعثر فى أرجلهم، وألف مشكلة وكارثة ومطالبة لابد تنتظره!
إنها خانقة، تلك الحياة، وتلك الزوجة، ألا تعرف ما هو اليوم؟ أجل، اليوم، اليوم يوم عشرة، واللبان لم يأخذ نقوده، وبائع الثلج والأولاد جننونى ولا شيء آخر؟ لا شيء إلا الهم والغم والدروس التى يجب ان تأخذها بنتك قبل الامتحان لتنجح. إنه يكرهها.. إنه لم يعد يشتهيها، ولا حتى صديقة يأنس إليها. ما الذى يربطه بها وكل ما بينهما حرب مستعرة مستمرة وخلاف يتجدد فى كل ثانية. كل يوم يفكر عشر مرات فى طلاقها أو الانتحار، وكل يوم لا يطلقها، ولا ينتحر. وكل يوم يفكر فى حياة جديدة وزواج جديد، وكل يوم لا ينفذ حرفا واحدا من القرارات الحازمة الباترة التى اتخذها! كل يوم يفكر حتى فى خيانتها، وكل يوم لا يخونها. ما الذى يربطه بها، حتى الأولاد، إنه يكرههم من أجلها، ويكرهها أكثر من أجلهم، ومع هذا لا يتركهم جميعا و(يهج)، ولا يتركونه، ما الذى يبقى هذه العائلة السخيفة متماسكة، وكل ما فيها يتنافر مع كل ما فيها. الخلاف البسيط يؤدى إلى نقار، والنقار إلى شجار، ثم يتطور الأمر ويغادر المنزل غاضبا، وحين يصل السلالم تخرج له الزوجة، وتقطع الشجار وتقول:
- إياك تنسى تشترى البزازة؟
ويخرج وهو مصمم على ألا يعود بله أن يشترى البزازة. ولكنه ما إن يلمح أجزخانة حتى يتوقف، ثم يتصور خيبة أملها حين يعود بلا بزازة فيدخل ويشتريها. لماذا يشتريها؟ ولماذا وكل ما بينهما حرب يراعى شعورها، وتراعى أحيانا شعوره؟.. ما كنه تلك العلاقة الغريبة التى تجمعهما. لماذا يستسلم لتلك الحياة، لماذا لا يبدأ حياة جديدة، لماذا لا يبدؤها فورا والآن؟
ولكنه لم يبدأ شيئا أبدا، فقد دخل كالعادة وحل بعض المشكلات وعقد بعضها وتبودلت بضع زغرات وتلميحات وشتائم، وتغدى، وكالعادة نام. وحين استيقظ بعد الظهر كان قد نسى كل شيء عن 10 مايو وعيد زواجه، والعشرة جنيهات وكلماته المكتوبة فوقها بخط أنيق.

* * * * * * * * *


ومرت الأيام وهو لا يحس بمرورها، فمن يوم أن تزوج لم يعد يحس بالزمن، وكأنما فقد ذاكرته حتى أنه لا يذكر ماهية نفسه قبل الزواج وكأنما وعى فوجد نفسه زوجا!.. مرت الأيام وهو دائب الإحساس أنه يذوب ويذوب، ويفقد ذاته ونفسه، حتى فوجيء ذات يوم بشيء استغرب له جدا.
كان يفحص مبلغا واردا إلى البنك، وإذا به يعثر على ورقة من ذات العشرة جنيهات مكتوب على دائرتها البيضاء: "إلى زوجتى العزيزة... بمناسبة عيد زواجنا الخامس". ولم يكن الخط خطه.
واحتجز الورقة وظل يقرؤها ويضحك من أعماقه. كان أحدهم لا ريب قد ساقت إليه الصدف الورقة التى كتب عليه الإهداء فظن أن أزواجا صالحين يهدون زوجاتهم أوراقا كتلك فى أعياد زواجهم، ففعل مثلهم، وكانت النتيجة هذه الورقة.
ظل يضحك ويلعن الزوج المغفل الذى صدق النكتة. وبعد أن انقشعت موجات ضحكه أحس بشيء قليل من الندم، فقد أدرك أنه بطريقة أو بأخرى قد خدع ذلك الزوج، وأنه قطعا مسئول إلى حد ما عن تلك الخدعة الجديدة.

* * * * * * * * *


غير أنه بمرور الأيام تضاعف ضحكه وتضاعف تأنيبه لنفسه، فقد تبين أنه لم يضحك على زوج واحد فقط، ولكنه خدع كثيرين، فقد وجد إهداءات كثيرة مكتوبة على أوراق بنكنوت من ذوات العشرة والخمسة، ولم يعد يستطيع كتمان الأمر على زملائه فأطلعهم على الأوراق وحكى لهم القصة وهو لا يتمالك نفسه. وطبعا ضحك الزملاء كثيرا، وتبادلوا الضربات على الأكتاف، وقال أحدهم إن أعظم زوجة فى العالم لا تساوى قرش صاغ واحد فما بالك بعشرة أو خمسة جنيهات؟!
وأصبحت المسألة مصدرا لا ينضب للضحك فما يكاد يرد إلى صلاح ورقة عليها إهداء حتى يشير بالورقة إلى زملائه من بعيد وكأنما يقول: وآدى مغفل جديد!..
ولكن عدد المغفلين كثر بشكل أفقد المسألة ما كانت تثيره من ضحكات، بل كثر بشكل أزعج "صلاح" نفسه، لقد قرأ يوما إهداء وكان موجها من زوجة إلى زوجها. وأصبح تأنيب الضمير على الخدعة التى ابتكرها لا يكفى. أصبح لابد من التفكير، ما هى حكاية هؤلاء الناس؟ وهل هى مجرد محاكاة لما فعله، أو لابد أن فى المسألة سرا خطيرا لا يدريه؟
وكان عليه لكى يكتشف السر، إن كان هناك سر، أن يجرب... وبهرته الفكرة، وأحس لها بحماس.

* * * * * * * * *

كان يوم 10 مايو قد اقترب، وعام جديد قد أضيف إلى عمر زواجه، فلماذا لا يفعلها ويجرب؟ أجل، فليجربها فى عشرة جنيهات. ولكن تفكيره ما إن حوم حول الرقم حتى هبط حماسه فى التو.. عشرة جنيهات؟ إنها تكاد تبلغ ثلث مرتبه أو نصفه. إذا كان لابد من التجربة فليجربها فى جنيه مثلا. ولكن، أيصح أن يهدى زوجته جنيها واحدا فى عيد زواجها. المسألة حتى من الناحية الشكلية محرجة، ولكنه إذا نظر إليها من الناحية الأخرى فإنه لا يمكنه أن يهديها عشرة جنيهات مرة واحدة، فهو لا يهدى زوجته، إنه يهدى غريمه. فلتكن خمسة إذن، تكفى خمسة... إنها كافية جدا.
وهكذا جاء يوم 10 مايو، وجاءت الساعة الثامنة منه، "وصلاح" عائد إلى البيت وفى جيبه الورقة والإهداء على دائرتها البيضاء حبره لم يجف بعد، وكل ما يحسه هو الفرحة لأنه مقبل، فى حياة قاتلة الملل، على تجربة جديدة، وحب استطلاعه يكاد يطل من عينيه، إذ ترى ماذا ستفعل "روحية"؟ وهل يغمى عليها.

* * * * * * * * *

وكالعادة فتح الباب، وواجهه سوق روض الفرج المعتاد، وبعد أن تم الغداء والحساب والعتاب، ناداها على حدة فى غرفة النوم، ومع هذا أصر ابنه المتوسط على عدم مغادرة الحجرة وأمسك بروب أمه واستمات عليه. وظل "صلاح" يتعثر نصف ساعة فى كلمات لا معنى لها، ثم أخرج الورقة ذات الخمسة جنيهات، ووضع الدائرة البيضاء أمام عينيها لترى الإهداء.
وبدأت الصدمة واضحة على ملامحها، وظلت واقفة فى مكانها لا تتحرك. كان لسانها أول ما تحرك فيها، وأول ما فعله اللسان أن فتح له محضرا طويلا عريضا. وراحت تسأله وتضيق عليه الخناق لتعرف من أين جاء بالخمسة جنيهات وميزانيته كلها تعرفها بالمليم والصلدى.. وقال لها إنه استلفها لتخصم على شهرين من مرتبه. ومعنى هذا أن ينقص إيرادهم فى الشهرين القادمين. وهكذا شبت النار، وبعد لحظات قصار أصبح الحديث اتهامات متبادلة، وشتائم وتهديدات، وإيمانات مغلظة، خرج على أثرها "صلاح" من الحجرة غاضبا لاعنا تاركا الجنيهات الخمسة تنعى من أهداها.
وجلس فى الصالة يغلى وينفخ.. لا فائدة على الإطلاق. إنها حرب لا هوادة فيها. إنه عسكرى فى جيش وليس زوجا فى بيت، إنه لا عمل له إلا الدفاع عن نفسه، والحرب أذابته وهدته وأتت عليه، حتى العسكرى يحظى بهدنة وراحة، أما هو فمعركته لا تتوقف.
وبينما هو يغلى وينفخ، كان عقله يعمل ويحلم. أجل، لابد أن هناك حياة غير تلك، حياة رحبة، لا قتال فيها ولا خناق ولا ملل، حياة مليئة بالبريق وبالرائع الجديد ولا ينقصها سوى الجريء الذى ينهى حياته وجبنه، وينطلق إليها. وبوغت حقا حين رأى "روحية" قد خرجت من حجرة النوم، ووقفت قبالته على بابها لا تتحرك والورقة فى يدها. ورمقها وهو يلعنها.
لم تضع وأنها على أية حال باقية فى البيت. ولكيلا يلعنها - فقد أصبح يضايقه حتى أن يلعنها - حول وجهه عنها. غير أنها سألته وهى واقفة من بعيد إن كان (ويحلم، أجل، لابد أن هناك حياة غير تلك، حياة) جادا حقا فى كلامه وإهدائه. وطبعا زفر ولم يجب. ولكنها ظلت تلاحقه بالسؤال، ولأنه يعرف أنها إن صممت على شيء فلابد أن تعرفه ولو فرقعت مرارته وحطمت رأسه، فلكى يخلص منها قال لها:
- أيوه ياستى هدية بحق وحقيق.. بمناسبة عيد الزفت زواجنا!
وفوجئ حين وجدها تنخرط فجأة... لا ليس فجأة فقد حدثت فى وجهها تغييرات متوالية مضحكة وانقباضات وانبساطات وتجعيدات، ثم انخرطت فى بكاء ضاحك. تضحك وتبكى، وتضحك، وشعرها منكوش، وروبها مفتوح، والولد لا يغادر مكانه بين ساقيها...
وأخيرا قالت له إنها قد أعدت له هدية هى الأخرى. إيه ياستى. وناولته الورقة. وتحت إهدائه وجدها قد كتبت: إلى زوجى العزيز المحب بمناسبة قراننا... من المخلصة جدا زوجتك.
وفرت الدموع فى الحال من عينيه. لا لأن ما كتبته كان غريبا ولكن لأنه صدر منها وبخطها. ما أروع كلماتها. إلى زوجى العزيز الغالى، حتى أن أخطاءها الإملائية حتى إمضاءها، حتى طريقتها الساذجة فى التعبير عن نفسها، ولو كانت أجمل امرأة فى العالم هى التى كتبت له هذا لما بدا أروع من كلمات "روحية"، روحية ذات الخرابيش والصوت الحاد اللافح، إنه شيء لا يحتمل، أبدا لا يحتمل.
وأخذها على كتفه وقبلها. واحمر وجهها جدا وهى تقبله، ربما كانت هى أولى قبلاتها له. وربت على كتفها وربتت على ظهره، وبكيا، وتعانقا وكما يضيء البرق فجأة تزاحمت الخواطر فى عقله. إن حياته معها كره فى كره وخلاف فى خلاف ومواقع إثر مواقع هذا صحيح، ليلة أن صفعها مثلا وخربشته بأظافرها وتدشدش طقم الشاى، ليلة أن اختلفا حول اسم "تامر" ليلة أن اصطدمت بالمرحومة أمه، ألف ليلة وليلة من الألم القاسى الممض. العجيب أنه لا يحس شيئا من هذا الآن، وكأن الألم فى حينه يصبح ذكرى بعد حينه فكل ما يحسه الآن أنه كان شابا وأنها كانت صغيرة وأنهما كانا طائشين، وما أعذب الطيش حين تمضى أيامه ويصبح مجرد لحظات تستعاد. إن الخلاف ينفر ولكن العجيب أن خلافاتهما كانت تقربهما أكثر. والخلاف يقولون إنه يخرب البيوت والخلاف عمر بيته، فقد كان لهما حجرة واحدة والآن عندهما ثلاث، ولم يكن هناك أولاد، والآن لهما أربعة. وحين تزوجها لم يكن معه إلا التوجيهية والآن معه البكالوريوس، وهى تزوجته وهى مدللة لا تعرف سوى قلى البيض وتخطيط الحواجب والآن بشهادته أمهر خياطة وطباخة، وكانت بالكاد لا تقرأ إلا "حواء" وهى الآن تناقشه فى السياسة وتبزه، تلك التى يعتبر نفسه ضليعا فيها.
ألف خاطر عن له، لو كان قد تزوج مطيعة لا ترفض له رغبة أو طلبا لما تحرك من مكانه وموضعه ولما تحركت هى الأخرى. إنه مغفل. أيكون ما يعيش فيه هو سعادة الواقع وهو لا يدرى. إنه كان يفكر دائما كأحد طرفى الخلاف ولكنه أبدا لم يفكر كزوج لابد له من زوجة ولا تتم سعادتهما إلا معا، ولا يسعد الشخصان معا إلا إذا اقتربا، ولأنهما إنسانان وشخصيتان فإنهما إذا اقتربا احتكا واختلفا ونتج عن احتكاكهما موجات من الرضا والغضب والسخط والألفة والحب والكره.
أتكون هذه الموجات هى نفسها السعادة التى طال سمعه عنها. أتكون كالشرر لا يحدث إلا إذا طرق الحديد بالحديد والحجر بالحجر. تلك المرأة التى يضمها بين يديه الآن، رفيقة العمر، التى صاحبته لحظة بلحظة وساعة بساعة، لابد أنها كانت تقاسى مثله وكانت تكرهه مثلما يكرهها، وتحملته مثلما تحملها، وكل ذلك قد مضى، ويمضى، ويصبح ذكريات أهم ما فيها أنها مرت وطعمها الآن من طعم العمر المولى ألذ وأطيب وأمتع طعم. إنها الآن بين يديه ضعيفة، مستسلمة، قد أسعدتها هديته البسيطة إلى درجة البكاء والنشوة.
ألف خاطر وخاطر، وعاطفة قوية مبهمة تتفجر فى نفسه، وإعزاز غريب مفاجيء لروحية يكتشف أنه يملأ صدره. أيكون كل ما كان بينهما من خلاف وتعنت وكره هو الحب، الحب الأكبر. أكان من حمقه يحلم بالحياة السعيدة الأخرى والحياة الأخرى هو فيها، ويفكر فى الهجرة إلى دنيا جديدة وهو يغمض عينيه عن دنيا الحقيقة الجديدة ويقول إن إنهاء حياته الخاملة تلك فى حاجة إلى شجاعة. والشجاعة هى أن يتقبل حياته هذه ويؤمن أن "روحية" زوجته والأولاد والبيت بيته وهو دعامته والمسئول عنه.
ألف خاطر وخاطر، وهما واقفان، بين دهشة الأولاد، متعانقان وكأنهما كانا غائبين لعشر سنوات مضت، وكل هذا بغلطة، بلفتة، بنكتة، بكلمات قليلة على ورقة.

* * * * * * * * *

ولم تكف أوراق البنكنوت ذات الإهداءات عن الورود لصلاح، مكتوبة على أوراق من فئة العشرة والخمسة والجنيه والخمسين قرشا فى بعض الأحيان. وكلما قرأ "صلاح" الإهداء وتأمل اللحظة التى لابد سبقته واللحظة التى أعقبته، كانت سعادة غامرة تملأ جوانحه، وكأنه اخترع اختراعا للسعادة البشرية أو اكتشافا، ولفرط سعادته باكتشافه حاول ذات يوم أن يبدأ فى عد الأوراق ذات الإهداءات ليعرف كم من السعادات تسبب فيها وأحدثها.
ولا يزال "صلاح" إلى الآن يعد، ويبدو أنه لن يتوصل أبدا إلى معرفة الرقم الصحيح، فالأوراق لم تكف أبدا عن الورود!».

Saturday, January 22, 2011

كتكوت إسراء



هناك خلف أبواب البراءة تكمن "إسراء" التى كانت تسمع ( لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين
كم كانت "إسراء" تحب "يوسف النبى" وتهوى سماع قصته كلما سنحت لها الفرصة...
حتى أنها كانت تردد حين مر عليها بائع الكتاكيت ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) وحينها طلت منها إبتسامة لأمها تطلب ثمن واحد من هؤلاء الكتاكيت بعد أن أدركت مدى رخص الثمن.
.وكم تحولت عيناها بين البائع وبين دموعها...عندما أصرت أمها ألا تأتى بما ليس له فائدة...وتحاول مرارا معها مرة بالإستعطاف..ومرة بالصمت...حتى تدخل أباها معطيا إياها الثمن فتحول دموعها انفجارات فرح وتدفقات شعور
وشرت "إسراء" الكتكوت بثمن بخس..وتحدت من أشارت إليه بالموت عن حقيقة أنه مريض رخيص....وتمنت بينها وبين نفسها أن يشفيه الله على يديها..وتذكرت ( إكرمى مثواه عسى أن ينفعنا)
وأتت إليه بطعام هى من استقصت عنه كى تحضره..وكونت له حظيرة صغيرة تحوط به فتحميه..
وأسمته من الوهلة الأولى "يوسف" كانت تكثف من رعايتها له..تطعمه وتشربه وتحتويه..ياالله عليكى..مرت أياما وكبر "يوسف" فاستقر فى ذهن إسراء أنه أخير بفضل الله قد ذهب المرض عنه ببركة البراءة والنقاء..وبركة
الإسم وما تشابه بين يوسفالصديق ويوسف الطائر...وعادت إسراء تذكر (وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض)
كان "يوسف" سلوى "إسراء"..تحدثه حين تجلس إليه عن مشكلاتها الصغيرة فى أعين العالم الكبير...الكبيرة فى عالمها الصغير...
كانت تتخيل ردوده..حتى صارت تكتب فى كراستها عنه وعن أفعاله.....
ولو فتحنا هذه الكراسة الأن سنجد فى قلبها تاريخا بظهور العرف اليانع بالحمرة..
وتاريخ أول صيحة اعتادت إسراء بعد ذلك أن تستيقظ بها...
كأن هذا الذى أصبح ديكا قد ألف الله بين روحه وروح أمه الآدمية....
ولعل أخر تاريخ سجل لهذا الطائر فى كراسة "إسراء" تاريخ وداعه..
فقد ذبح مقدما حياته قربانا لإسراء وحينها فقط نُزع عنه اسمه "يوسف" ونُزعت عنه صفة الصياح..
ولم يعد ديكا ولن يعد بعدما قُطف منه الريش.
ورددت إسراء مناغاته حين كان طفلا... ..لعلنا نلتقى على خير فى حياة أخرى..
حياة لا تقبل النقد..لا نأتى إليها للرحيل..ولكن نرحل إليها كى نكون..
حيث الطهر والعفاف والحب..لا حيث الطمع والكذب والفناء...
حياة إذا شخنا فيها لا نموت...بل نحيا من جديد لنعيد أحلامنا ونزيدها أحلام...
.حياة لا يوجد فيها الموت" سلام أيها الطائرالمطيع..أمك الإنسانة إسراء 
اليوم كبرت "إسراء" وقد نجحت فى جميع مراحل تعليمها بتفوق، سبقت سنها قياسا بسن زملائها..
وصارت تساهم بأفكار فى كل شئ حولها..وتشارك أهلها الأوقات وتواظب على عيادة مرضاهم وتوصل ما قطع من أرحام...
هى أول من يحضر المناسبات..أصبحت إجتماعية من الدرجة قبل الأولى..
فى البيت هى من تقوم بالبيت حتى الطعام أصبحت تولف فيه حتى تعالج السأم من التكرار..
أصبحت "إسراء" سيدة قرار..صاحبة وجهة نظر...تمارس مواهبها وهواياتها...كل هذا بفعل تنظيمها لوقتها..
إسراء هى من ستختارعريسها برضا وأهلها...بل وسمعناها تتحدث فى شكل بيتها من حيث الديكور والأثاث وطريقة الحياة..
إسراء قد اختارت أن تعيش الحياة...لا أن تعيشها الحياة


  بقلم : إسلام سمير